Monday, June 13, 2016

جُنون

ولكنها لم تكن المرة الأولى التي فيها نلتقي! 
اعتراني خوف أو ربما خجل؟ من فرط شعوري معك أصبحت لا أميز بين مشاعري.. فإذا بكيت أظن أني سعيدة مرة وإذا بكيت أخرى فأظن أني أخشى الفراق الذي سيأتي لا محالة.. 

في المرات السابقة كنت كلما لقيتك تأملت وجهك طويلًا كأني أخشى من أن أودعه وأودّ أن أحفظ تقاسيم وجهك كلها عن ظهر قلب.. أنا العاشقة جدًا والتي سرعان ما ينقطع تأمّلها بقبلة تخطفها أنت من وجنتي فأضحك خجلًا وأعاود تأملي مرة أخرى بلا ملل ولا كلل! 
أحب أن أتصفّح وجهك كأنه كتاب عتيق، كتاب فيه أقداري المجهولة كلها، كتاب يحتضن اسمي بين صفحاته كعنوان رئيسي، كاسم البطلة ربما! 

من قبلك لم أكن أعرف بأن ثمة عبادة أسمها التأمل، ومعك صار تأمّل بديع خلق الله فيك عبادتي التي أحبها جدًا.. عبادتي التي تقرّبني من الله أكثر. ومن بعدك صرت أؤمن بأن التأمل مع وفي من نحب عبادة مقدسة، عبادة لا يبلغ تمامها إلا العاشقين. 

حينما تحتضن كفي كفك، أشعر وكأن العالم كله مضى خلفنا وأنا وأنت وحدنا في مكان قصيّ، مكان لا يصله أحد، بعيد جدًا.. دافئ جدًا.. مليء بنا.. الرعشة التي تسري في جسدي من بعد لمستك تتحول لنشوة من السعادة والحزن، كيف يجتمع الضّدّين في وقت واحد لا أعلم! ولكن الشيء الوحيد الذي أعرفه هو أني أحبك بعد كل رعشة.. أكثر وأكثر! 

شوقي لك في حضرتك هذا وحده جنون، ولكن سيدي، أصل الجنون هو حين وقعت في حبك من المرة الأولى.. كل جنون بعده لا يُحتسب! هل يُلام المجنون على ارتكاب جنونه؟ محال. 

وجودي معك مدّني بالقوة أكثر، منحني الأمان وسلّحني بالإيمان أكثر، منذ أحببتك ارتفع صوتي بالدعاء أكثر، صرت أنادي باسمك أن يارب أحبه و أتضرّع كل ليلة لله أكثر. 
سبحان الله في حبك الذي زرعه في قلبي بلا كلفة والله أكبر، الله أكبر من كل شوقٍ يذيب قلبي لك، الله أكبر من كل خوفٍ يعتريني في غيابك ومن كل سعادة تحتضن قلبي في وجودك وتحنو عليّ.. لو كان العشق يزيد إيماني أنا لا أودّ أن أفيق منه ولو في حين غفلة. 

أحب كل شيء معك، حتى نفسي أحبها في وجودك، أنا ياسيّدي والله أحبني فيك أكثر! وفي غيابك أنا لا أحتاج نفسي.. نفسي الخاوية بدونك التي يفتق الحنين بها ويهزمها الشوق أكثر.. برغم أني امرأة قوية، امرأة لا يهزمها الحب ولكن حبك هزمني.. وصرت أحب حتى ضعفي معك واستسلامي في حضرتك تصوّر! 

هذه المرة.. حين التقينا.. كان كل شيء مختلف. 
الشوق في ازدياد واللهفة لا ترحم قلبي ولا قلبك.. بعد الغياب الذي دام زمنًا طويلًا خاليًا إلا من الرسائل وبعض الصور.. كان الصمت هذه المرة هو سيد الموقف.. بلا كلام فقط بالعناق وبالقُبل.. 
وعانقتك، واحتضنتك بين أضلعي، ونسيت كل الزمان المر وكل الشقاء والتعب ونبتت بين أضلعي زهرة بيضاء، ونظرت لعينيك طويلًا.. فنسيت كل العتب... 

آخر الكلام؛ وجهك مرآة سعادتي، لا تغب عني طويلًا حبيبي ولا تقطع عني الأمل. 


ملاك المرغوب 
١٣-٦-٢٠١٦، الاثنين ٦:١٥ صباحًا 
جدة، السعودية 

Tuesday, March 22, 2016

ضحكاتك: عُمري!

ترجع إلى المنزل، منهكة، كان يومها متعب وسيء لحدّ ما.. أول كلمة تقولها بعد السلام: فين ماما؟ ثم تشعر بالراحة! 

وهي نائمة.. تشعر بأن ثمّة طمأنينة تتسرب شيء فشيء لقلبها.. ثمّة أمانٍ يسكنها دون أن تعرف مصدره.. تحاول أن تفتح عينيها بقوة وتقاوم نومها.. ترى والدتها تصلّي الفجر.. تشعر بأن ثمة ملائكة تحرسها.. تدعو الله بقلبٍ صادق أن يديم أمها لها ولا يحرمها منها.. 

تبدو الحياة مليئة بالضغوطات، واجبات كثيرة لابد أن تسلمها، محاضرات أكثر لابد أن تدرسها، تشعر بالاحباط يسيطر عليها.. يمنعها من التفكير.. يشلّ حركتها ويدخلها في نوبة هلع.. تأتي أمها تقبّل رأسها بحنان.. تمسح على جبينها وتقول لها "معليش.. اصبري وكلو حيعدي.. حتقدري تسوي كل شي!" فتصدق أمها وكل شيء يحصل مثلما خططت له.. 

كل هذا وأكثر.. أمي.. 

إذا أردت أن أكتب لكِ فاخبريني بالله عليكِ يا أمي كيف أبدأ؟ كيف أطوّع أبجدية لا تحتوي سوى القليل من الحروف والكلمات التي لا تعبر عن الحب كما يجب؟ 
كيف أقول لكل العالم أني أحب أمي وأنا متأكدة تمامًا بأن كلمة حب قليلة جدًا في حق شعوري لها..! 

عن يديكِ التي تمسح جبيني بحنان.. عن عينيكِ التي تدمع كلما بكيت أنا من الألم.. عن عينيكِ التي أرى فيها سعادتي ومبتغاي حينما تكوني سعيدة.. عن غضبك عليّ لأني أسهر كثيرًا.. وعن قلقك عليّ في الصباح لأني لم أنل كفايتي من النوم والراحة.. عن سهركِ في كل اختباراتي ودعائكِ الكثير الذي بدونه لم أكن لأصل هنا.. عن اتصالاتكِ المتكررة حين أكون خارج المنزل.. عن يديكِ التي لطالما احترقت وأنتِ تعدّين لي أكلتي المفضلة.. 
عن كونكِ ياأمي، أعظم أمًا في الكون! 

لكِ سحر غريب..
بيديكِ دائمًا تحوّلين ألمي للا شيء،
وبكلماتكِ دائمًا تحولين غضبي لرضى.. 
وبوجودكِ في حياتي تحولين هذه الحياة العادية جدًا.. لجنّة.. 

كبرت ياأمي.. ولكني لم أكبر يومًا على حضنك، على التسلل ليلًا لسريركِ لتدلّليني أنتِ وأبي.. كبرت ياأمي وصرت حينما تبكين أنتِ أود أن أكون أمك أنا.. أود لو أن أملك قوى عظيمة مثلك تحول الحزن لفرح، أود لو أن أمسح على جبينك وأقبله فتصبحين بخير مثلما تفعلي معي.. أود ولو لمرة أن أحنّ عليكِ كما كنتِ ومازلت دائمًا تحنّين عليّ.. كبرت ياأمي وصرت أحتاجك أكثر.. صار مجرد وجودكِ يبعث الأمان في قلبي..
وجودك يجعلني أطمئن وأعرف أنه مهما حدث في الكون من حرب ودمار وظلام.. 
أنتِ سلامي وأماني ونوري.. 
أنتِ ترياقي ضد الألم والحزن والحيرة.. 
أنتِ ومن بعدك الطوفان ياأمي فلا أهتم.. 

مازلت عند إيماني.. بأن الله حينما خلق الظلام والظلم والألم والقسوة خلق قلبكِ كي يتم التوازن بين الأسود والأبيض! 
وأوجد فيكِ الرحمة.. الرحمة التي لا توجد بقلب مخلوقٍ سواكِ، الرحمة التي تجعلكِ تحتملين ألم الموت كي نحيا نحن! 
وأودع فيكِ الحب.. الحب الغير مشروط بشيءٍ إلا بالحب! لا ينقص أبدًا بل هو دائمًا في زيادة..
الحب الذي يجعلكِ تقسي علينا كي لا تقسو علينا الحياة.. فتصير حتى قسوتكِ ياأمي: لين ورحمة! 

في يوم عيدكِ ماذا أقول؟ 
أنتِ العيد ياأمي ولاشيء غير العيد أنتِ! 
أنتِ الجمال والبهاء والصفاء والكمال والنور والسكينة! 

كل عامٍ وأنتِ عيدي وتاريخ ميلادي، 
كل عامٍ وأنت أول وأهم وأعظم امرأة في الدنيا، 
كل عامٍ وحضنك هو أهم عنوانٍ في حياتي! 

خلاصة القول: 
ضحكاتكِ: عمري، 
وحبك تجاوز حدود كلماتي ولغتي.. 
أحبّك حتى إشعار آخر.. 
حتى أجد كلمة أبلغ من أحبك فأكتبها لكِ. 



ملاك بنت سامية صدّيق 
كُتبت بحب في ليلة عيد الأم٢١-٣-٢٠١٦م   💕

Friday, December 18, 2015

مواقف عميقة في المستشفى | ضحكة طفل

يصعب عليّ أن أرى شخصًا يتألّم.. ربّما لهذا السبب كان من المنطقيّ أن أصبح طبيبة! 
في السنتين الأساسية في كلية الطب لم نتعامل مباشرة مع المرضى إلا في بعض الحالات المحدودة.. أحدها حين نظمت اللجنة الاجتماعية زيارة للمرضى المتنومين وبالصدفة كنت من ضمن المجموعة التي ستزور عنبر الأطفال.. كانت تلك أول مرة أرى فيها أطفالًا مصابين بالسرطان أو بالأمراض المزمنة.. تعلّقت فيهم بشدة وزرتهم مرة أخرى مصطحبة معي كمًّا هائلًا من الألعاب والهدايا.. مرّت الأيام والشهور ووصلنا للسنة الرابعة، وكان من ضمن خطّتنا الدراسية منهجًا اختياري واخترت أن يكون طب الأطفال -لا أعرف لماذا؟- وفي أول يوم لي قررت الانسحاب! لم احتمل رؤية الأطفال في ألم.. وضيقٍ.. وبكاء.. صورة الأطفال في ذهني دائمًا سعيدون باللعب وكلّهم حيوية ونشاط فكيف أراهم ممدّين على السرر البيضاء ووجيههم ملؤها البراءة والملائكية ولا حول لهم ولا قوة.. انفطر قلبي ولكنّ قرّرت أن أتغاظى وأتناسى خوفي ومضت الأيام.. إلى أن أصبح طب الأطفال مقرّر لا بدّ منه! وبدأت رحلة الثلاثة أشهر.. 

صعب جدًا أن تكون شخصًا مرهف الإحساس ودمعتك دائمًا قريبة منك وتحاول دائمًا في كل مرة أن لا ترتبط عاطفيًا بالمرضى! كنت تائهة مابين نارين.. نار أن أكون أنا ملاك التي تهتم كثيرًا، تحب باندفاع، تتأثر سريعًا وحسّاسة جدًا والبعض يخبرها أن شخصيتها لا تصلح لأن تكون طبيبة أصلًا، ونار أن أثبت أني لا أهتم ولا أبالي وأجرّد نفسي من المشاعر كي أصلح أن أكون طبيبة! وكانت الأيام الأولى فعلًا صعبة.. فلا أنا أود التعلق بهم ولا أنا أود أن أكون بلا مشاعر! أريد أن أصل لحالة وسطية أرجوكِ يانفسي!! 

الحقيقة أن الأطفال حتى وهم في عزّ مرضهم تجد فيهم روحًا سعيدة.. روحًا تتطلّع للأمل وللمستقبل.. وتجد في أمهاتهم صبرًا مهما بدا القلق عليهنّ، تجد الأمهات متعطّشين لأي كلمة من الفريق الطبي المعالج، يرفعون أيديهن بالدعاء وقلوبهن كلها أمل وإيمان بأنه لا شفاء إلا شفاؤك ياالله.. 

ذات يوم  كنت مع الطبيبة وذهبت معها لرؤية أحد المرضى.. كانت ذاهبة لتخبر الأهل بأن حالة الطفل منهكة.. وأنهم قرروا بالتعاون مع الفريق الطبي وفق البنود والحالة الطبية أن يعلنوا بأن الحالة -DNR- أي عدم إجراء الإنعاش القلبي الرئوي - لا أعرف لماذا ذهبت ولكن أعرف أنني مهما كتبت أو وصفت الموقف لن أستطيع أبدًا أن أوصله كما كان، وبرغم أني كنت أرتجف من داخلي وشعرت بأن دقات قلبي أصبحت متسارعة وقدماي لا تحملاني.. إلا أنّي استمدّيت هدوئي من والدة المريض.. غريب جدًا أن يحصل العكس وأن المريض يطمئن الطبيب ولكنّي كل يوم أؤمن بأن الدروس التي أتعلمها من المرضى تفوق كل الدروس التي تعلمتها من الكتب الطبية! عدت للمنزل ذاك اليوم وأنا أبكي.. بكيت لأني أدركت كمية النعم التي أنا غارقة فيها وأنا لا أشعر.. وبكيت يأسي وحزني ومللي وضعف نفسي أمام الحياة.. 

مع مرور الأيام وحين تدرس وتكتسب المعلومات وتعتاد على الروتين اليومين تزداد ثقتك نوعًا ما فيزول الضغط الذي كنت فيه.. وهذا ماحصل.. أصبحت علاقتي مع المرضى أكثر من مجرد تاريخ مرضي أكتبه أو فحص أطبقه والسلام.. لأول مرة تسمح لي الفرصة بأن أكون أنا أنا معهم.. وصرت أزورهم.. أحفظ اسمائهم.. أشاركهم اللعب وأنسى نفسي معهم!
يومًا بعد يوم، أحببتهم.. لمسوا نقطة عميقة في قلبي لم يصل لها أحد! وجدت منهم قوة لي ودافع لأن أكون كل يوم أفضل من نفسي التي كنت عليها في الأمس.. وتعلمت الصبر.. والأمل.. والابتسامة في كل الأحوال.. 

والأمهات يالله. عرفت الآن لماذا جعل الله الجنة تحت أقدامهنّ! كم هي نعمة كبيرة أن تصبح المرأة أم وكم هي مسؤولية أكبر.. حين يتحول عالمكِ من اهتمامك بنفسك فقط ليشمل طفلك، حين تنسي نفسك من أجله وتتغاضي عن انشغالاتك والتزاماتك وخططك فقط لتقضي الليل مع طفلك المحموم.. حين تتغير أولوياتك في الدعاء في وتركِ لنفسك لتصبح أول دعوة لأطفالك.. حين تكونين أم.. أنتِ جنة الدنيا وجنة الآخرة هي تحت أقدامك.. 

صحيح أننا قضينا ثلاث أسابيع فقط في طب الأطفال ولكني أشعر وكأنها عمر.. كيف تحولت من أول يوم لهذا اليوم وكيف صار قلبي أرقّ وأحن! ومازلت أحاول أن أصل للوسطية في مشاعري.. شخصيتي أبدًا لن تمنعني من أن أصبح طبيبة أفضل! العلم في كل الكتب والمواقع وبإمكان أي شخص أن يقرأ ويتعلم.. ولكن المريض لا يحتاج هذا العلم فقط إنه يحتاج منّا كثيرًا من الإنسانية.. وهذا ماسيجعلك طبيبًا أفضل: حين تعالج مرضاك وتحبهم لأنهم أهلك! وهنا تكمن قمّة الإنسانية. 
بغضّ النظر عن خلفيات المرضى الاجتماعية، دياناتهم، معتقداتهم، لونهم، جنسيتهم، وكل شيء قد يصنفهم.. أنت لا تصنّفهم ولا تحكم عليهم بأي شيء لأنك ستعالجهم وتعاملهم كأنهم أهلك. 

لا أحد فينا يحتمل رؤية شخص مريض، فكيف لو كان طفلًا.. ولكنها نعمة عظيمة حين يختارك الله ويسخّرك ويجعل شفاء هذا الطفل وضحكاته وعودته ليلعب في المنزل مع إخوته من -بعد إذنه- على يدك أنت! 



ملاك المرغوب، 
الجمعة، ١٢:٤٣ ص 
١٨ ديسمبر ٢٠١٥م 

Tuesday, October 27, 2015

أنا.. مريضة..

أنا ملاك، طالبة في السنة الخامسة في كلية الطب والجراحة.. كل حياتي متمحورة حول أني سأكون -بإذن الله- طبيبة المستقبل التي تعالج المرضى.. 
إلا أن الموازين انقلبت، وصرت أنا المريضة! 
ليس خطبًا جللًا فمرضي ليس إلا فقر دم حاد ونقص شديد في الفيتامينات والمعادن والصراحة أني مازلت مصرة على رأيي وأنه ليس مرض! هي مجرد أرقام تزداد وتنقص ويبدو أن أرقامي نقصت بما فيه الكفاية لتسبب لي مشاكل صحية أعتقد أنها أكبر من عمري قليلًا.. يعني على سبيل المثال: صارت تؤلمني ركبتي لدرجة أنها تمنعني من المشي، وإذا مشيت رغمًا عن الألم: أعرج! 
عمومًا.. أزعجني شعوري بعدم قدرتي على المشي أكثر من شعوري بالألم الشديد -شخصيًا أنا إنسانة متصالحة مع ألمي الجسدي ويمكنني احتماله والتعايش معه بلا خصام ولكن القضية الآن اختلفت وتحولت من مجرد ألم أشعر به لألم يمنعني من المشي- حقيقةً أرعبتي فكرة عدم مقدرتي على القيام بالأشياء التي لطالما كان من الطبيعي جدًا أن أقوم بها لدرجة أني واستغفرالله على هذا الذنب أنسى أن أحمد الله عليها، أرعبتي فكرة أن أُعاق حركيًا لا سمح الله فلا استطيع المشي وبدأت الأفكار السيئة كلها تجول في خاطري ليل نهار،، صبح مساء،، وأخيرًا استسلمت وتوجهت للمشفى!  

هذه المرة أنا المريضة.. ومن شدة غرابة الدور لم استطع ممارسته وعُدتُ لكوني طالبة الطب التي تتعلم وتتدرب، فصرت أكرر الأدوية والجرعات التي تقولها الطبيبة وأحفظها وأحاول ترتيبها بطريقة معينة ليسهل علي استرجاعها لاحقًا إذا سُئلت عنها ووحده الله يعلم كم كان صعبًا علي أن لا أكتب الخطة العلاجية والتاريخ المرضي في الدفتر وأسجل الملاحظات المهمة! 

اليوم أخذت الجرعة الأولى من الحديد، كنت وحدي، دائما أكون وحدي في المشفى ولكنها المرة الأولى التي أكون فيها مريضة! رغم أني صديقة جيدة للحُقن وأحبها ولا أخاف منها -حينما كبرت طبعًا- إلا أن خوف صغير جدًا كان يكبر بداخلي ويتكاثر.. 
كان يومًا عاديًا على الكل إلا أنه كان مختلفًا بالنسبة لي، حفظت كل الوجوه التي قابلتها، كل الكلمات التي قيلت لي.. ابتسامة الممرضة الأولى ولا مبالاة الممرضة الأخيرة.. صوت الطبيبة وهي تتحدث معي.. موظف الاستقبال الذي وجّهني للعيادات والبرد الشديد الذي شعرت به وهو يتسرب لجسدي وكأنه ينخر عظامي من شدته!  

لم أكن أود الذهاب للموعد، فعلًا لا وقت لدي الآن لصحّتي! كل شيء بخير.. أو كل شيء يمكنه الانتظار حتى أجد الوقت المناسب للتصرف فيه تجاه هذه الأعراض المزعجة.. لم الآن تحديدًا اشتد الألم؟ يالله أكره مذاق الفيتامين السيء الذي لا يختفي حتى في العصير الذي تقول والدتي أنه يخفي الطعم.. وأكره حبة الكالسيوم التي أمضغها كل ليلة قبل أن أنام.. كأني عجوزٌ لم يبقَ لها من العمر شيء! وأكره المواعيد الطويلة هذه.. إلى جانب أني لست مريضةً أصلًا! 

حكم القوي على الضعيف! ذهبت وكانت ساعتين مليئة بالصمت وبالسكون.. بحديث مع النفس.. بتفكر وتدبر وحمد.. كل هذه المواعيد المتتالية التي تسرق من وقتي والتي أتذمر منها، شخص آخر في جغرافية أخرى في العالم يتمنى أن يحصل عليها أو على الأقل على موعد واحد فقط.. كل الأدوية التي لا استطعمها شخص آخر لا يستطيع أن يتذوقها حت،،  وتكلفة العلاج في واحدة من أهم المنشئات الطبية شخص آخر أيضًا لا يستطيع الوصول لها حتى في أجمل أحلامه الوردية.. 

أنا مليئة بالحياة وبالتفاؤل وبالرضا، وأقول أنا لأني أحب أن أنسب السعادة لي وأحب أن أنسبني للسعادة والفرح! وحينما تمر علي فترة أكون فيها أقل تفاؤلًا وسعادة وأكثر ضيقة وتذمر أعرف أن شيء ما سيحدث وسيجدد علاقتي بالله! العلاقة التي تبرد لأني أنشغل وأنسى أنه سبحانه يدبر الأمر كله ويكون علي فيه أحن من نفسي.. لك الحمد سبحانك كيف أن مرضي الذي لا أعتبره مرضًا اعتبرته طريقة جديدة للتدبر في نعمك علي، وطريقة جديدة أحبك فيها أكثر وأشكرك وأحمدك فيها على نعمك أكثر.. صحتي، عافيتي، نومي، دراستي، انشغالي وحياتي كلها نعم عظيمة من عندك فلا تحرمني خير ماعندك بسوء ماعندي.. وأنا لا أطلب إلا رضاك يارب فارضَ عني لأرضى.. 

لم أكن أخطط للكتابة عن شيء ولكنها خواطر جالت ببالي وأحتجت أن أكتبها.. كيف يأتينا لطف الله حتى في الشدائد؟ كيف تكمن الإلهامات العظيمة في الابتلاءات التي نصبر عليها؟ وكيف أن المؤمن دائمًا أمره كله خير! 




ملاك المرغوب 
الثلاثاء، ٢٧-١٠-٢٠١٥ 
٩:٠٠م 
جدة، السعودية 

Tuesday, September 1, 2015

من لي سواك؟

وأحبك، 
وأحب كل خطأٍ يقربني إليك.. 

وأعلم أنك الوحيد الذي 
تقبلي بأخطائي وتنقّني منها.. 

وبالإحسان تأخذني 
وتثبّت قلبي بعدما تقلّب، إليك.. 

ياربّ، من لي سواك من خلقك 
ولمَ أرجوهم وأنت أقرب إليّ! 

لو كنت في شرق البلاد أو كنت في غربها، 
فوق التراب أو تحته، فأنا لا أتوسّل إلا إليك.. 

ولو لدي حاجة أود قضائها، بكلمة كن 
منك، تقضيها إليّ، وتختار الخير لي.. 

من لي سواك ياربّ يقبلني، 
بزلّاتي، بأخطائي، بنقصاني ومعصيتي.. 

ومن لي سواك يارب يضاعف الحسنة
فتصبح عشرات وتكرمني، وتغدقني بإحسانك.. 

كيف أطلب منك حبًا آخر غير حبي إليك، 
اكفِ قلبي بك يارب، ولا تحوجه إلا إليك.. 

املئني رضا، إيمان، حب وسكينةً 
واكتبني من أحب وأقرب الناس إليك.. 

أحبك يارب، 
فارزقني حبك وحب كل عملٍ يقربني إليك، 
واجعل حبي هذا خالصًا إليك. ❤️ 

ملاك المرغوب 
الثلاثاء، ١-٩-٢٠١٥ م 
١١:١٦ م 

Monday, August 3, 2015

مواقف عميقة في المستشفى | وصارت أم!

 
كان الكلام ممتلئ في رأسي والمشاعر المتضادة كلها شعرت بها لحظتها. مابين خوف وذهول كتمت أنفاسي، ترقب وانتظار، عينان مليئتان بالدهشة، لسان يسبّح الله وقلب لا يشعر سوى بالامتنان لأمي! 

يالله.. كم هي طويلة دقائق الانتظار.. مليئة بالترقب والخوف والرهبة والألم.. وبرغم أن القلب وجِل والعينين شاخصة للسماء تبكي والألم يعتصر الجسد.. قطرات العرق تغطي الجبين، اليد تشد على اليد بقوة، حديث يدور لا يُفهم وأضواء قوية تعمي البصر، رائحة معقمات المستشفى تفوح في الجو، جسد مكشوف وأصوات مزعجة، طبيب يصرخ: "خدي نفس".. هذا كله تغيّر منذ الصرخة الأولى والبكاء الأول! 

تبدّل الخوف لحب والرهبة لحنان.. صارت العينين تبكي من الفرحة والقلب يرقص طربًا لبكاء الطفل الجديد.. 
تحوّلت علامات الألم لأمل، والتعب لسعادة وكل آه لـزغروطة فرح وللحمدلله.. 
كأن الفرق بين المشهدين سنين عديدة ولكنها في الحقيقة ثوانٍ معدودة تمثلت في بكاءٍ حاد! كأن الألم الطويل الذي عانت منه الأم لساعات تفوق التسع ساعات انمحى! كأن الحِمل الذي كان ثقيلًا عليها في التسعة أشهر الفائتة اتنسى! كأن الليالي الكثيرة التي سهرتها من ألم بطنها لم تحدث! وكأن صباحاتها المتتالية التي كرهتها بسبب الغثيان لم تكن! 

لمعة العين التي كانت تعكس دموع الألم والخوف تحولت لأمل، لحب، لحنان، لامتنان ورحمة واحتواء! 
كأنها قبل بكاء الطفل كانت شخص والآن هي شخص آخر تمامًا، الحنان في نظرة الأم في ثوانٍ أودعه الله لها.. 
وصارت: أم. 
هذا الحدث وحده كفيل بالتتويج والاحتفال! هذا الحدث هو أهم حدث في حياة أي امرأة. أن تخرج روحًا من أحشائها وأن تصبح السكن والمأوى لهذه الروح الجديدة! أن تكون الأمان له إذا تمرّد عليه العالم، أن تكون القلب الذي لا يمل ولا يكل من تصرفاته الغير متوقعة! هذا حدث يستحق الانتظار تسعة أشهر، يستحق البكاء المتواصل والمزاج المتقلب ونظام الحياة المختلف والمقلوب رأسًا على عقب.. 

كل هذا حدث وأنا في قرارة قلبي أتمتم: ياربّ كن حنونًا مع أمي كما صبرت عليّ وحنّت! يارب أمي.. يارب أمي.. يارب أمي.. وأنت أحنّ عليّ منها وأنت أرقّ عليّ منها وأنت أعظم وأنت أكرم وأنت أرحم. 

نزلت من عيني دمعة تبعتها دمعات أخرى.. فكّرت.. ماذا لو كنت أنا؟ هل سأتحمل؟ هل سأصبر؟ هل سأحب الطفل الذي سلب مني حياتي التي أعيشها بحرية وهل سأضحّي من أجله حتى يكبر؟ هل سأترك طموحاتي وأحلامي الكبيرة من أجل أن أسهر الليل معه لينام؟ هل سعادتي بنجاحه تفوق سعادتي حينما أنجح أنا؟ وهل سأتغيب عن العمل لأنه متوعّك ويحتاجني بجانبه أهدهده؟ أو هل سأعتذر عن موعد مع صديقاتي لأني سأذهب معه لحفلة عيد ميلاد صديقه مثلًا؟ 

وفي المقابل تذكرت أمي.. 
كم مرة حرمت نفسها من أشياء كانت تنتظرها العمر كله لكي توفر لنا لعبة! وكم مرة استيقظت من نومها لأن أحدنا كان يبكي! وكم مرة صبرت على طيشنا، مراهقتنا، جنوننا ولا مبالاتنا وأنانيتنا التعيسة! وكم مرة آثرت سعادتنا على سعادتها! كم دمعة ذرفتها في جناح الليل حتى نستيقظ الصباح ونرى أمانينا محقّقة! وكم مرة كانت منهمكة في المطبخ تعد الغداء لنا فاحترقت يدها من الفرن! وكم مرة حدث الشيء نفسه حين كانت تكوي لنا ثيابنا! كم مرة وكم مرة وكم مرة.. 

هذه المرة حين حضرت الولادة اختلفت نظرتي.. صحيح أن جوارحي كلها سبحت الله على إعجازه الذي شهدته وصحيح أن دهشتي كانت كفيلة بأن تجعلني أردد: (فتبارك الله أحسن الخالقين) صدق الله العظيم! 
ولكن جوارحي كلها كانت تتمتم: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ أمي ثم أمي ثم أمي.. 

لو صرت أمًا، أكبر أمنياتي أن أكون نسخة مصغرة عن أمي. بكل تفاصيلها، بضحكاتها الخجولة وابتسامتها البسيطة وروحها الطاهرة.. بعصبيّتها وتوبيخها لنا وخوفها علينا.. بكل شيء.. بكل شيء.. بكل شيء.. 

أحبك ياأمي! وأدعو الله أن يرزقني برّك ووالدي ماحييت، وأن أكون ابنة ترفع ذكركم عاليًا في الأرض وفي السماء السابعة وعند الله بين الملائكة ❤️

 
ملاك المرغوب. 
هذا ماحدث في غرفة الولادة في العاشر من يوليو ٢٠١٥. 
مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز، جدة، السعودية. 
كُتبت بتاريخ ٣٠ يوليو ٢٠١٥. ٦:١٢ صباحًا. 
مابين دبي، الإمارات العربية المتحدة واسطنبول، تركيا. 

أنا ووالدتي العزيزة سامية صدّيق في صبنجة، تركيا 
الجمعة، ٣١ يوليو ٢٠١٥م 

Wednesday, July 29, 2015

يومًا ما، سنسافر معًا!

يومًا ما ستجمعنا هذه المطارات الكثيرة.. يومًا ما سنلتقي.. 
سنسافر سويًا، وسويًا سنرى الغيوم تغازل بعضها والشمس ضاحكة لها.. 
يومًا ما، أخيرًا لن أشعر بالخوف لأن يدك تحتضن يدي حين تقلع الطائرة وحين تهبط.. 
يومًا ما، سنصنع ذكريات كثيرة في الطائرة! ذكريات تكون فيها أنت الحبيب وأنت القريب وأنت أجمل حدث في العمر. 
يومًا ما، سندور حول العالم كله، سنبدأ ببرج ايفل وفي سور الصين العظيم سننتهي.. 
يومًا ما، سنعيش الحضارات كلها معًا، سنرتدي الثوب المغربي في مراكش وسنرقص في الهند بلا خجل.. 
يومًا ما، سنجنّ معًا لدرجة أننا سنتسلق جبال الهيمالايا، وسنتزلّج في سويسرا ونصنع رجل الثلج الأفضل.. 
يومًا ما، سنتشمس سويًا في شواطئ هاواي، وسنبني قصرًا لنا من الرمل تكون فيه الملك وأنا الملكة المدللة بالطبع.. 
يومًا ما، بلا تردد ولا خوف سنقوم بأخطر قفزة في العالم وسنصرخ بأعلى صوت وبعدها سندخل في نوبة ضحك.. 
يومًا ما، سنقوم برحلة في البحر، سنغوص ونسبح ونفشل مرات عديدة في اصطياد سمكتنا إلّا أننا أخيرًا سننجح.. 
يومًا ما، سنتجول في الغابات الاستوائية ويبلّلنا المطر، وباسترخاء لا مثيل له سنقضي وقتنا في جزر المالديف.. 
يومًا ما، سنزور فيرونا، المدينة التي شهدت قصة روميو وجولييت وتحت الشرفة سنكمل نحن القصة التي كُتب لها أن تنتهي.. 
يومًا ما، الحب سينجح في إعادتنا لزمن الطفولة، وهكذا سنقضي يومنا في ديزني.. 
يومًا ما، سنلتقط صورًا لنا في كل مكان في العالم! والحب ثالثنا، والعشق بيننا لا ينتهي.. 
يومًا ما، سأقرأ خاطرتي هذه وأنا معك.. ونحن ننتظر نداء رحلتنا إلى فينيسيا.. بلد الحب.. فتبتسم لي.. ابتسامة تفتنني.. وأقع في حبك للمرة اللانهائية! وصدقني حبيبي، من حبك، لن أكتفي. 


ملاك المرغوب 
الخميس؛ ٣٠-٧-٢٠١٥ م
مطار دبي؛ الإمارات العربية المتحدة 
في انتظار رحلة اسطنبول؛ تركيا